الشنقيطي
516
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وقوله تعالى : أَ أَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ ( 59 ) استفهام تقرير ، فإنهم لا بد أن يقولوا : أنتم الخالقون ، فيقال لهم : إذا كنا خلقنا هذا الإنسان الخصيم المبين من تلك النطفة التي تمنى في الرحم ، فكيف تكذبون بقدرتنا على خلقه مرة أخرى ، وأنتم تعلمون أن الإعادة لا يمكن أن تكون أصعب من الابتداء ، والضمير المنصوب في تخلقونه عائد إلى الموصول أي تخلقون ما تمنونه من النطف علقا ، ثم مضغا إلى آخر أطواره . وهذا الذي تضمنته هذه الآية من البراهين القاطعة على كمال قدرة اللّه على البعث وغيره ، وعلى أنه المعبود وحده ، ببيان أطوار خلق الإنسان ، جاء موضحا في آيات أخر ، وقد قدمنا الكلام على ذلك مستوفى بالآيات القرآنية ، وبينا ما يتعلق بكل طور من أطواره من الأحكام الشرعية في سورة الحج في الكلام على قوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ [ الحج : 5 ] الآية . وذكرنا أطوار خلق الإنسان في سورة الرحمن أيضا في الكلام على قوله تعالى : خَلَقَ الْإِنْسانَ ( 3 ) عَلَّمَهُ الْبَيانَ ( 4 ) [ الرحمن : 3 - 4 ] وفي غير ذلك من المواضع . وبينا الآيات الدالة على أطوار خلقه جملة وتفصيلا في الحج . تنبيه هذا البرهان الدال على البعث الذي هو خلق الإنسان من نطفة مني تمنى ، يجب على كل إنسان النظر فيه ، لأن اللّه جل وعلا وجه صفة الأمر بالنظر فيه إلى مني الإنسان ، والأصل في صيغة الأمر على التحقيق الوجوب إلا لدليل صارف عنه ، وذلك في قوله تعالى : فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ ( 5 ) خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ ( 6 ) [ الطارق : 5 - 6 ] الآية ، وقد قدمنا شرحها في أول سورة النحل ، وقرأ هذا الحرف نافع ، أَ فَرَأَيْتُمْ بتسهيل الهمزة بعد الراء بين بين . والرواية المشهورة التي بها الأداء عن ورش عنه إبدال الهمزة ألفا وإشباعها لسكون الياء بعدها . وقرأ الكسائي : أَ فَرَأَيْتُمْ بحذف الهمزة ، وقرأه باقي السبعة بتحقيق الهمزة . وقوله تعالى : أَ أَنْتُمْ قرأه نافع وابن كثير وأبو عمرو وهشام عن ابن عامر في إحدى الروايتين بتسهيل الهمزة الثانية ، والرواية المشهورة التي بها الأداء عن ورش عن نافع إبدال الثانية ألفا مشبعا مدها لسكون النون بعدها ، وقرأه عاصم وحمزة والكسائيّ وهشام عن ابن عامر في الرواية الأخرى بتحقيق الهمزتين ، وقالون ، وأبو عمرو وهشام بألف الإدخال بين الهمزتين والباقون بدونها .